ResourcesBlog

تهديد وشيك للعراقيين الأكثر ضعفاً

لقد ترك مرض كوفيد-19 الناجم عن فيروس كورونا المستجد بصماته على جميع جوانب الحياة، فشلَّ بلداناً بأكملها وأقفل الحدود ودفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الانهيار. وبينما ينتشر الفيروس في كافة القارات كاشفاً جوانب ضعف الأنظمة الصحية في البلدان الأكثر ثراءً وتقدماً، علينا أن ندرك أن تهديده مضاعف للسكان الأكثر ضعفاً في بلدان أخرى، لا سيما تلك التي مزقتها الحروب، أو الخارجة من نزاعات حيث يكافح النازحون واللاجئون من أجل البقاء.

علينا ألا ننسى، في هذه الأوقات، أولئك البعيدين عن الأنظار والأكثر عرضة للخطر. حيث يجب على التدابير العاجلة على كافة المستويات أن تشمل الخطوات الصحية الرئيسة لمكافحة انتشار الفيروس. كما ينبغي وضع استراتيجية ملموسة لتعبئة موارد تضمن حصول الجميع على الخدمات.

والعراق مثال على ذلك. فمنذ الإعلان عن أول إصابة بكوفيد-19 في 24 شباط، اتخذت الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق تدابير حازمة لوقف انتشار الفيروس كإغلاق الحدود، وتعليق الدوام في المدارس، والطلب من الناس البقاء في بيوتهم. ولسوء الحظ، فإن البقاء في البيوت ليس خياراً قابلاً للتنفيذ بالنسبة لنازحي العراق الذين يتجاوز عددهم 1,665,000، ويعيش (277,000) منهم في 67 مخيماً في مختلف أنحاء البلاد.

لقد استهدف مقاتلو “دولة الخلافة”، التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية إثر غزوه مناطق واسعة في العراق عام 2014، اليزيديين وأقليات عرقية ودينية أخرى، فذبحوا الرجال وخطفوا الأطفال والنساء والفتيات لاستعبادهم جنسياً. وأسفر ذلك عن فرار مئات الألوف من منازلهم على عجل بحثاً عن الأمان، متخلين عن سبل عيشهم وأسرهم ومجتمعاتهم ليعيشوا في ظروف قاسية في خيام لا توفر الحماية من الحر الشديد في الصيف ولا من الفيضانات في الشتاء.

تحذر الدكتورة نغم حسن، طبيبة أمراض النساء والناشطة اليزيدية التي كرست حياتها للدفاع عن حقوق شعبها، من أن مخيمات النازحين اليزيديين المزدحمة توفر مرتعاً خصباً لوباء كوفيد-19: “هذه المخيمات شديدة الازدحام، حيث تعيش عائلات كبيرة في كل خيمة وهم يتشاركون الحمامات والمرافق الأخرى. وليس هناك ما يكفي من مواد النظافة الصحية أو المستلزمات الطبية”.

ويحذر السيد فاضل الغراوي، عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق التي ترصد تصدي الحكومة للوباء، من تحول مخيمات النازحين إلى بؤر لانتشار الفيروس بسبب غياب الخدمات الصحية المناسبة وعدم إمكانية فرض حجر صحي آمن على المقيمين فيها. كما تشير المفوضية العليا لحقوق الإنسان إلى أن جهاز المناعة عند النازحين ضعيف نتيجة تدهور النظم الصحية والإنسانية والغذائية المتاحة لهم.

كما يعيق حظر التجول والقيود المفروضة على الحركة في العراق تقديم المساعدة، بما في ذلك برامج الوقاية من الفيروس والتأهب والمواجهة. وفقاً لتقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية والجهات الإنسانية الأخرى. ويأتي تهديد كوفيد-19 الوشيك وسط انخفاض التمويل الإنساني المقدم للنازحين إثر استعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة في تموز 2017. ومع أن الحكومة العراقية تنفذ تدابير مختلفة في مخيمات النازحين، كالتعقيم مثلاً، فإنها لا تتناسب مع حجم الأزمة الوشيكة في الصحة العامة.

وينطبق ذلك خصوصاً على مدن مثل دهوك التي تجاور المناطق الأكثر تضرراً من النزاع، وشهدت أكبر تدفق للناس الباحثين عن الأمان بعد هجمات تنظيم الدولة عام 2014. يقول أحد عمال المساعدة الإنسانية في كردستان، وقد طلب عدم ذكر اسمه خوفاً على سلامته: “لقد غادرت عدة منظمات إنسانية دولية غير حكومية دهوك التي تحتضن أكبر عدد من النازحين، لذلك تتراجع الخدمات المقدمة لهم، مع أن عودتهم إلى ديارهم لم تصبح آمنة بعد. وتقلص حجم الأغذية الموزعة عليهم، وقلَّت الخدمات الطبية وغير الطبية، وتناقصت الوظائف المتاحة لهم في المخيمات أو في جوارها. لذلك ليس لديهم سوى القليل من الدخل لشراء المواد الضرورية لحماية أنفسهم من فيروس كورونا”.

ويعم الخوف المخيمات من احتمال انتشار الفيروس فيها. ويشكل احتواؤه تحدياً بسبب صعوبة تتبع الإصابات وإجراء الاختبارات لكشف المشتبه بإصابتهم وعزلهم. تقول الدكتورة نغم حسن: “يعمل الأطباء والمتطوعون دون توقف بكل القدرات المتاحة لمساعدة نازحي المخيمات. نقوم حالياً بإنتاج الكمامات محلياً، وننظم حملات توعية لشرح أعراض المرض، وكيفية غسل اليدين والتزام التباعد الاجتماعي إلى أقصى حد ممكن ضمن ظروفهم الاستثنائية”.

لكن تدعو الحاجة إلى عمل الكثير. ومن الضروري أكثر من أي وقت مضى أن تعمل الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان والمجتمع الدولي معاً لإدراك مخاطر الفيروس على النازحين، والتعاون لجعل الصحة، الجسدية والنفسية، من أولوياتهم. وينبغي أن يشمل هذا التنسيق إعادة ترتيب الأولويات وتخصيص الموازنات لضمان تلبية سريعة لاحتياجات هذه المجتمعات، بدءاً بتوفير الماء والمنظفات والمنتجات الصحية الأساسية، ثم متابعة ابتكار طرق خلاقة لحصول النازحين على الخدمات. يتسم هذا الوباء بالعشوائية، لذلك ينبغي حشد كامل ترسانة الصحة العامة والمساعدات الإنسانية لمواجهته. ويجب دمج الجهود الوطنية والدولية متعددة الجوانب والشاملة لمواجهة هذا الفيروس ضمن خطط عاجلة ليس في العراق فقط، بل في كافة البلدان المتضررة من النزاعات.